لبنان

ينادون بالـ “الدولة المدنية” و”الميثاق الجديد”… المثالثة تطل برأسها؟

في لحظة سياسية مأزومة بالتزامن مع مئوية لبنان الكبير، وبينما البلاد والعباد تعيش تداعيات أسوأ الأزمات المالية والإقتصادية، وفي وقت طبع الخطاب الطائفي والمذهبي الأداء السياسي، بدءًا من أعلى الهرم وصولًا إلى كلّ مفاصل الإدارة، لدرجة تعطيل نتائج مجلس الخدمة المدنية والإطاحة بمبدأ الكفاءة لصالح الطائفية، والإستئثار بحقائب وزارية وكأنّها حقّ حصري لهذه الطائفة، وحرمان تلك، ومعاملة اللبنانيين على أنّ بعضهم مواطنون درجة أولى وبعضهم الآخر درجة ثانية، في هذا التوقيت بالذات خرج طرح “الدولة المدنية” و”الميثاق الجديد”.

بدا الطرح كعقد جديد يتناغم وتطلعات اللبنانيين الثائرين بوجه نهج، كرّسه أصحاب الطرح في عهدهم، وخاضوا كلّ معاركهم الإنتخابية منذ 2005 باعتماد خطاب طائفي أوحد تحت عنوان “حقوق االطائفة”، لا بل ذهبوا أبعد من ذلك في تكريس الطائفية، من خلال سعي فريقهم لفدرلة الكهرباء والنفايات وكل كبيرة وصغيرة في البلد، حتّى أوصلتهم ذهنياتهم الطائفية إلى نبش قبور الحرب الأهلية، والتّسبب بإزهاق الأرواح في حادثة قبرشمون، وغيرها من الممارسات التي لا متّسع لذكرها هنا، بحيث نحتاج إلى مجلّدات ومجلّدات لتعداد بعضها.

اليوم استفاقوا أنّ النموذج الحالي لم يعد قابلًا للحياة، وأنّ “الدولة المدنية وحدها قادرة على حماية التعددية وصونها وجعلها وحدة حقيقية”. ولم يقتصر توقيت الطرح على إشكالية النهج الطائفي الذي طبع أداء مجمل القوى السياسية لاسيّما طارحيه، بل تزامن مع لحظة تفوّقٍ مذهبي. فأيّ دولة مدنية أو ميثاق جديد سيتحقّق في ظلّ سطوة السلاح ؟ وهل يقود تعديل دستور الطائف إلى نسف المناصفة واستبدالها بالمثالثة؟ ماذا عن كلفة العقد السياسي الجديد؟ وهل يحصل أي تغيير محتمل سلميًا؟

النائب السابق إيلي كيروز اعتبر أنّ لبنان بصيغته الحالية هو دولة مدنية “فالمفهوم يعني الفصل بين المنطق الديني والمنطق السياسي، وبالنظر إلى المحطّات المتعاقبة من إعلان لبنان الكبير عام 1920، إلى إعلان الدستور اللبناني عام 1926، إلى إعلان الميثاق الوطني عام 1943، ومحطّات أخرى، كلّها تشير إلى أنّ لبنان بالفعل هو دولة مدنية، خصوصًا بالمقارنة مع الصيغ الموجودة في الدول المجاورة، وفي المنطقة العربية ككل”.

كيروز وفي حديث لـ “لبنان 24” رأى أنّ التوقيت غير مناسب لطرح تطوير النظام أو تجديده، “بحيث يجب أن نبقى متمسّكين باتفاق الطائف، في ظلّ الخلل في ميزان القوى. فهناك سلاح “حزب الله”، في مقابل وضعية مختلفة تمامًا لمجمل الطوائف الأخرى، وبالتالي فالأولوية هي لسلاح الحزب الذي يشكّل خطرًا على التوازنات اللبنانية كافًّة، والذي مُنح فترة سماح منذ التحرير عام 2000 ولغاية اليوم، لأجل التوافق على استراتيجية دفاعية، ورغم مرور كلّ تلك الأعوام ما زلنا عاجزين عن إيجاد حلّ للسلاح، الذي يمثل السبب الرئيسي للأزمات السياسية والمالية والإقتصادية التي نعيشها”.

واللافت أنّ طرح الدولة المدنية، وإعلان السيد نصر الله انفتاحه للبحث في عقد سياسي جديد، أتى بالتزامن مع معركة تقودها البطريركية المارونية بشخص البطريرك مار بشارة بطرس الراعي من أجل تكريس مبدأ الحياد الناشط، الذي يجنّب لبنان، وفق رؤية صاحب النداء، تداعيات الزجّ بالنفس في الصراعات الإقليمية. وفي هذا السياق لم يستبعد كيروز أن يكون طرح الدولة المدينة أو الميثاق الجديد قد يهدف لحرف الأنظار عن نداء كركي، خصوصًا أنّ طرح الراعي لم يرُق لهؤلاء، وجوبه بحملة تخوينية.

تنتاب البعض هواجس من أن يشكّل طرح تعديل الميثاق الحالي مناسبةً، تنفذ من خلالها قوى سياسية نحو مؤتمر تأسيسي، يضرب المناصفة ويؤدّي إلى المثالثة. وهو ما نبّه إليه الراعي في إطلالته التلفزيونية عبر الـ mtv سائلًا “ما هو العقد السياسي الجديد؟ فالمطلوب هو نظام الحياد الناشط، وواقعنا يحتاج لميثاق استقرار واذا كان المقصود المثالثة ويُعمل عليها تحت الطاولة، فسنرفضها فوق الطاولة وسنقوم بحرب معنوية ضدّها لأنّ هذا موت للبنان”، لافتًا إلى أنّ “لبنان دولة مدنية، فنحن نفصل الدين عن الدولة، ولكن حوّلوها الى دولة الطوائف”.

بنظر كيروز “رغم أنّ “حزب الله” جاهر بعدم سعيه للمثالثة، ولكن أيّ عملية تستهدف إعادة النظر بالدستور والصيغة اللبنانية تحتاج إلى توقيت مناسب، وإلى تفاهم بين كلّ المكونات والعائلات الروحية اللبنانية، وإلّا تقودنا الأمور إلى صيغة من شأنها أن تفاقم مشاكل لبنان”.

يبقى أنّ الدولة العلمانية مطلب اللبنانيين الذين نزلوا إلى الساحات في 17 تشرين، بعدما نزعوا عن ذواتهم أثواب المذهبية والطائفية، مطالبين بوطن يتساوون في كنفه. ولكن أيّ كلفة سيدفعها اللبنانيون لإعادة النظر بالدستور والميثاق؟ أي صيغة ستُفرض فعل فائض القوّة؟ وهل الدعوة جدّية أو ظرفية تتناسب والطرح الفرنسي؟ وهل طبّقنا الدستور لنبحث في تعديله؟

lebanon24

مقالات ذات صلة